ابن أبي الحديد
130
شرح نهج البلاغة
وهذا عجيب طريف . فنقول : إن النظام أخطأ عندنا في تعريضه بهذا الرجل خطأ قبيحا ، وقال قولا منكرا ، نستغفر الله له من عقابه ، ونسأله عفوه عنه ، وليست الرواية التي رواها عن الحسن وسؤاله لأبيه وجوابه له ، بصحيحة ولا معروفة ، والمشهور المعروف المنقول نقلا يكاد يبلغ درجة المتواتر من الاخبار ، ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله في معنى الخوارج بأعيانهم وذكرهم بصفاتهم ، وقوله صلى الله عليه وآله لعلى عليه السلام : ( إنك مقاتلهم وقاتلهم ، وإن المخدج ( 1 ) ذا الثدية منهم ، وإنك ستقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين ) ، فجعلهم أصنافا ثلاثة حسب ما وقعت الحال عليه . وهذا من معجزات الرسول صلى الله عليه وآله ، وإخباره عن الغيوب المفصلة . فما أعلم من أي كتاب نقل النظام هذه الرواية ، ولا عن أي محدث رواها ، ولقد كان رحمه الله تعالى بعيدا عن معرفة الاخبار والسير منصبا فكره ، مجهدا نفسه في الأمور النظرية الدقيقة ، كمسألة الجزء ، ومداخلة الأجسام وغيرهما ، ولم يكن الحديث والسير من فنونه ولا من علومه ، ولا ريب أنه سمعها ممن لا يوثق بقوله ، فنقلها كما سمعها . فأما كونه عليه السلام كان ينظر تارة إلى السماء ، وتارة إلى الأرض . وقوله : ( ما كذبت ولا كذبت ) ، فصحيح وموثوق بنقله ، لاستقامته وشهرته وكثرة رواته ، والوجه في ذلك أنه استبطأ وجود المخدج حيث طلبه في جملة القتلى ، فلما طال الزمان ، وأشفق من دخول شبهة على أصحابه لما كان قدمه إليهم من الاخبار قلق واهتم ، وجعل يكرر قوله : ( ما كذبت ولا كذبت ) أي ما كذبت على رسول الله صلى الله عليه وآله ، ولا كذبني رسول الله صلى الله عليه وآله فيما أخبرني به . فأما رفعه رأسه إلى السماء تارة ، وإطراقه إلى الأرض أخرى ، فإنه حيث كان يرفع
--> ( 1 ) المخدج : الناقص اليد .